رحلةُ العلم والعمل والدعوة — عالمٌ نوبيٌّ جمع بين عمق التراث وأصالة الهوية، واستطاع بعبقريّته الفطرية أن يُبسِّط المعاني لجمهور العامة والنخبة على حدٍّ سواء
يُعدُّ الشيخ ماهر إسماعيل جاهين أحدَ أبرز الشخصيات النوبية في القرن العشرين؛ فهو العالم العلامة والداعية الذي استطاع بعبقريّته الفطرية أن يجمع بين عمق التراث الديني وأصالة الهوية، مستعينًا بسهولة البيان وعذوبة اللسان.
وُلِد رحمه الله في مصر بقرية «الدر» بقلب بلاد النوبة عام ١٩٠٨م، وحفظ القرآن الكريم كاملًا في كُتّاب القرية. لم تكن طفولتُه ممهَّدة؛ فقد غيَّبه اليُتم عن والده مبكرًا، لكنَّ الله استودعه في كنف والدةٍ صالحةٍ كانت مدرستَه الأولى في الزُّهد والورع.
في هذا البيت الذي أُسِّس على التقوى، نَمَتْ روحُه قبل بدنه، ليكون قلبُه وعاءً طاهرًا يستقبل فيوضات العلم، مما صقَل نفسَه الأبيّة وهيَّأها لبدء رحلةٍ زاخرةٍ تعبر حدودَ الجغرافيا.
«نَمَتْ روحُه قبل بدنه، وأُسِّس بنيانُه على عين الله»
سافر إلى أخيه بالسودان، فالتحق بالمدرسة الثانوية الصناعية بمدينة عطبرة، مما أهَّله للعمل بورش السكك الحديدية.
لم يكن يرى في الهندسة ومنازلة الحديد إلا تسبيحًا لله في ملكوته — كان يطوّع الحديد بيديه ويصقل قلبه بذكره.
عاد إلى وطنه، وبعد تهجير بلاد النوبة استقرَّ في «بلانة»، فأسَّس مطحنًا وعمل بيده في الأرض خادمًا لأهل بلدته.
كان الشيخ شديدَ الوُلوع بحلقات العلم والذكر التي تقوم على الوعي والفهم لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ. أقبل بنَهَمٍ لا ينطفئ على كتب التفسير والفقه، فبنى نفسَه علميًا بعيدًا عن أروقة الجامعات التقليدية، لدرجةٍ أذهلت كبارَ علماء عصره كالشيخ محمود شلتوت والشيخ محمد الغزالي، الذين رأوا فيه نِدًّا وعالِمًا لا يُشَقّ له غبار.
أتقن أصولَ الدين، فوُهِب «قوةَ الحجة» و«المنطقَ المُفحِم» في المحافل الدولية.
تعمَّق في الأحكام بعقليةٍ مستنيرةٍ تُوازن بين النصِّ الشرعي ومقتضيات العصر.
برع في استنطاق النص القرآني، فمنحه ذلك قدرةً هائلة على تبسيط المعاني المعقدة لجمهور العامة والنخبة على حدٍّ سواء.
تشبَّع بروح التصوف الصافي والزُّهد، فكانت كلماته تخرج من القلب لتقع في القلب مباشرة.
تجاوزت شهرتُه حدودَ القرى، فأصبح سفيرًا فوق العادة للعلم والوسطية، متنقلًا بين إذاعاتٍ ومجالسَ ومؤتمراتٍ في كبرى الدول العربية.
كانت له أحاديث خاصة في إذاعة أم درمان، فأصبح صوته جزءًا من وجدان الشعب السوداني، متميِّزًا ببلاغةٍ نوبيةٍ-عربيةٍ فريدة.
أوفدته دولةُ السودان لتمثيلها في مجلس العلماء بالسعودية، فطلب من الملك دمجَ علماء العالم الإسلامي بعلماء السعودية. استجاب الملكُ لطلبه وعرض عليه العمل، فاعتذر وآثر العودةَ لمواصلة رسالته.
كانت له ندوات كثيرة في موسم الحج بمنى وعرفات، يلتقي فيها وفود الحجيج بالموعظة الحسنة والفائدة الجامعة.
أحدث ظهوره مع الأستاذ أحمد فراج في برنامجه الديني الشهير «نور على نور» ضجةً كبرى؛ إذ لمس المشاهدون سَعةَ علمه، وعذوبةَ بيانه، وبساطةَ وصوله إلى القلوب.
في بلده الأم مصر، كانت للشيخ صَولاتٌ وجَولاتٌ ولقاءاتٌ ومؤتمراتٌ، وقد ربطته علاقاتٌ علميةٌ وأخويةٌ بكوكبةٍ من علماء مصر، منهم:
مَثَّل الشيخ ماهر النوبةَ في مجلس الشعب، فرأى نفسَه خادمًا اقتضت الحاجةُ تواجدَه. مارس دورَه السياسي لا استشرافًا، بل كأمانةٍ ثقيلةٍ لتحقيق الخدمة لأهله ومجتمعه. كان حضورُه وقورًا، يتحدث بلسان الأمة ويحمل همومَ النوبة، مطوِّعًا لغتَه وحكمتَه لفضِّ النزاعات وحلِّ الأزمات بذكاءٍ فِطري.
رحل الشيخ ماهر إسماعيل جاهين عام ١٩٨٧م، تاركًا وراءه مدرسةً فكريةً تُبرهن على أن العالِم الحقيقي هو من يصنع نفسَه بالصبر والعمل. كان موسوعيًا بليغًا، يتحدث العربية بفصاحة النحويين، والنوبية بلسان الانتماء والجذور.
إنَّ الإرث الذي تركه الشيخ ماهر لم يَنطوِ بوفاته؛ فقد حمل أمانةَ البلاغ من بعده رفيقُه الوفيُّ، المربِّي الفاضلُ الشيخ فتح الله حمودة، الذي عكف بجهدٍ دؤوبٍ على تفريغ خطب الشيخ ودروسه من أشرطة الكاسيت، ليُخرجها للنور في سلسلة «الدروس الإيمانية في تزكية النفس البشرية».
«أخانا القارئ الحبيب: سؤالٌ ظلَّت الإجابةُ عنه حائرةً طيلةَ سنين عديدة، يسأل المحبون والصالحون: ماذا تعرفون عن هذا الرجل الملهَم المتواضع؟ فتكون الإجابةُ بالصمت، والرجوعِ إلى الله بالشكر أن هيّأنا لمعرفة رجلٍ مثله يُنير لنا طريقَ الإيمان ويأخذ بأيدينا إلى برِّ السلام.»
وقد أفردنا في هذا الموقع صفحةً خاصةً لعرض سيرة هذه الشخصية الفريدة — ولا يزال العمل مستمرًا لاستقصاء ما تبقّى من هذا الإرث العظيم.
تعرَّف على الشيخ فتح الله ←